السيد كمال الحيدري

43

يوسف الصديق (رؤية قرآنية)

الكامن وراء عدم انجذاب قلوب الناس وعدم انقياد نفوسهم للموعظة أو النصيحة التي تصدر من الواعظ الذي لا يتلبّس بما يقوله للناس ، حيث لا تأثير في العلم إذا لم يقرن بالعمل لأنّ للفعل دلالة كما للقول دلالة ، وعليه فالفعل المخالف للقول يدلّ على ثبوت هيئة مخالفة في النفس تكذّب ما يقوله فيدلّ على أنّ القول مكيدة ونوع حيلة يحتال بها قائله لغرور الناس واصطيادهم ! ! ثمّ إنّ الإنسان إذا كان خالياً من الإيمان بما يقوله أجوف من المعاني التي تنطلق على لسانه فإنّه لا يربّى بيده إلّا من يمثله في نفسه الخبيثة ، لأنّه حتّى لو تمكّن من التلفّظ بكلمات تغاير ما ينطوى عليه باطنه والتكلّم بما لا ترضى به نفسه فسوف يبقى الكلام من جهة أُخرى فعلًا من أفعاله على أيّة حال ، ومعلوم أنّ الفعل كلّ فعل هو من آثار النفس ومظاهرها ، وهل يمكن مخالفة الفعل لطبيعة فاعله ؟ ! « فمن شرائط التربية الصالحة أن يكون المعلّم المربّى نفسه متّصفاً بما يصفه للمتعلّم ، فمن المحال العادي أن يربّى المربّى الجبان شجاعاً باسلًا ، أو يتخرّج عالم حرّ في آرائه وأنظاره من مدرسة التعصّب واللجاج » « 1 » .

--> ( 1 ) انظر : الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 6 ، ص 259 ، وقد عقّب العلّامة الطباطبائي قدس سره على هذا الموضوع بالجملة التالية : « ولهذه الحقيقة يعنى مخالفة القول للعمل مصاديق كثيرة وأمثلة غير محصاة في سلوكنا معاشر الشرقيين والإسلاميين ، خاصّة في التعليم والتربية في معاهدنا الرسمية وغير الرسمية ، فلا يكاد تدبير ينفع ولا سعى ينجح » ! !